السيد عبد الأعلى السبزواري
75
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
الثاني : ما تكون للدنيا والآخرة معا بحيث يجعل الدنيا وسيلة وذريعة للوصول إلى الكمال الأخروي . الثالث : ما تكون للآخرة فقط بحيث لا نظر إلى الدنيا إلّا على نحو الآلية والمرآتية ، كما قال علي ( عليه السلام ) : « صحبوا الدنيا أبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى » . والقسمان الأخيران من صبغة اللّه ؛ ولكل منهما درجات متفاوتة ومراتب كثيرة . قوله تعالى : قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ . المحاجة : المجادلة ، ومادة ( ح ج ج ) : تأتي بمعنى القصد والطلب ومنه « حج البيت » ، وحيث أن كل واحد من المتخاصمين والمتنازعين يطلب الغلبة على الآخر ويقصد جذبه أطلقت عليه المحاجة . وتستعمل في كل من الحق والباطل ؛ قال تعالى : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ [ سورة الأنعام ، الآية : 83 ] . وقال تعالى : وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ [ سورة الأنعام ، الآية : 80 ] . والعلوم الاستدلالية مشحونة من الإحتجاجات المتضادة المتناقضة مع العلم بكذب أحد الطرفين ، والعلماء وضعوا علما مستقلا مفصلا لبيان الحجة الصحيحة مادة وصورة والتمييز بينها وبين أنحاء المغالطة . والمعنى : أتجادلوننا في اللّه وتدعون أنكم أحباء اللّه وأبناؤه والموحدون له وان دينكم الحق ، وأن النبوة فيكم مع أنّ رحمته وسعت كل شيء وكل عبيده ولا تختص رحمته بقوم دون آخرين ، وجميع تلك المقترحات باطلة ، وأن اللّه يختار ما يشاء و ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ سورة القصص ، الآية : 68 ] ، وكيف يخصكم برحمته دون غيركم ؟ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ ، والجميع عباده ، ورحمته واسعة ؛ وهو الرب والكل مربوبون له . قوله تعالى : وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ . مادة خلص ؛ تأتي بمعنى ذات الشيء وخاصته وزوال كل ما يشوبه وينافيه ، وقد استعملت في القرآن الكريم بهيئات مختلفة ، قال تعالى :